الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية في مناظرة من تنظيم جمعية نشاز: ممثل حركة النهضة محمد القوماني يوافق حمة الهمامي ومحمد عبو حول المساواة في الميراث.. التفاصيل

نشر في  03 أكتوبر 2018  (11:17)

 في كلمات وجيزة، لخصت الناشطة الحقوقية راضية النصراوي المفارقة الفكرية التي تعيش على وقعها بلادنا منذ قرابة 90 سنة، ففي سنة 1930 نادى المصلح الاجتماعي طاهر الحداد بتحقيق المساواة في الإرث بين الجنسين بينما رفضت احدى المنتميات لحركة النهضة مناقشتها في الموضوع أمام ميكرو احدى الإذاعات، لتقول النصراوي خلال النقاش الذي تلا المناظرة السياسية التي نظمتها جمعية نشاز يوم السبت 29 سبتمبر بمقر مؤسسة روزا لكسنبورغ بمشاركة كل من حمة الهمامي الناطق باسم الجبهة الشعبية ومحمد عبو امين عام حزب التيار الديمقراطي ومحمد القوماني عضو المكتب السياسي لحركة النهضة حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، لتقول كم أنّ النقاش حول مسائل الحريات والمساواة يمكن ان تعترضه العراقيل ويتطلب عقودا من المقاومة لإحلال فكرة القبول بالنقاش وحدها.

 وقد شكلت المناظرة التي قدّمها فتحي بلحاج يحيى وتابعها عدد من السياسيين والناشطين في المجال الحقوقي والإعلاميين على غرار لطفي زيتون وماهر حنين وزياد كريشان وراضية النصراوي ومنيرة يعقوب ومحمد بوعزي فضلا عن صلاح الدين الجورشي وعدد من الطلبة، شكلت فرصة لتبيان مقاربات الأطراف الثلاثة لتقرير لجنة الحريات ولإثارة التفكير حول مواضيع الحريات الفردية والاصلاح الاجتماعي.

محمد عبو: مع المساواة في الميراث ومع تقييد الحريات بضوابط الآداب العامة

اعتبر محمد عبو انّ التيار الديمقراطي دفع ثمن افصاحه عن موقفه المنادي بالمساواة في الميراث بين الجنسين مضيفا أنّ التجاذب الحاصل إزاء تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة يدخل في اطار معركة سياسية يُستغل فيها الدين، وهذا أسلوب من الهام ان نقطع معه وفق تعبيره .

ودعا محمد عبو الى ملاءمة القوانين مع الدستور قائلا إنّ "رئيس الدولة مهما كان دوافعه ـ لم نلاحظ دوافع ايمانه بالحداثة ـ ربّما أراد أن يخلق نوع من الاستقطاب الثنائي حتى يتمكن من استرجاع الوضعية التي كان عليها سنة 2014، وهي مبادرة قد تستفيد منها حركة النهضة باعتبارها تدافع عن الفضيلة ويستفيد هو -أي السبسي- من دفاعه على حقوق المرأة وأشياء من هذا القبيل."

وقال عبو انّ السؤال الأساسي الذي يجب طرحه: "هل نحن مع الدستور أو ضدّه"؟

وأشار المتدخل الى أنّ القضايا ذات العلاقة بالدين كما وردت في تقرير لجنة الحريات لا تتجاوز 6 مقترحات اما البقية فلها علاقة بحقوق الإنسان والحريات. واعتبر عبو انها مسائل مهمة حان الوقت لكي تعرف بعض التطورات مضيفا أنّ من افضل فصول الدستور التونسي الفصل 49 الذي يحدد الحريات بالضوابط التي تقتضيها الدولة المدنية الديمقراطية، فمن الضروري ـ وفق عبو ـ تقييد الحريات بضوابط حماية الأمن العام وحقوق  الغير والصحة العامة والآداب العامة.

وقال عبو انّ حزبه لم يرفع يوما شعارا دينيا، بل إنّه مثلما دافع على حرية لبس القميص، دافع على مبدأ فتح المقاهي في رمضان، مع ضرورة الغاء الفحص الشرجي مضيفا "أن تكون مثليا فذلك شأنك الخاص في بيتك، اما في الشارع فيجب احترام الآداب العامة". وأشار الى أنّ الدولة لا يعنيها ان يكون الفرد مؤمنا او لا بل يعنيها من يدفع الأداءات.

وكان عبو أعرب في رسالة عنونها "كلام في الدولة والدين والدستور والنفاق" عن موافقته على المساواة في الإرث قائلا: نحن مع الدستور لما طرحت مبادرة لتفعيل مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات الوارد فيه..
يلومنا بعض الناس عن موقفنا لكونه غير شعبي، فنقول لهم لو لم نتخذه ما كنا لنحترم أنفسنا. نحترم شعبنا نعم، ونعمل من أجله نعم، من أجل الواعي فيه وغير الواعي، اليساري واليميني، المحافظ والتقدمي، المهتم بالسياسة وغير المهتم، ولكن لا نسقط أبدا في الشعبوية".

القوماني والموقف المتضارب: المساواة في الميراث بين الجنسين مطلب مشروع ولا فرق بينه وبين المطالبة بالقضاء على التمييز العنصري، لكن....

اعتبر محمد القوماني ان حركة النهضة لم تصد النقاش حول تقرير لجنة الحريات بل إنّها ذهبت الى حد التعبير عن موافقتها لتمريره على مجلس النواب لكنها -والكلام للقوماني- تحفظت على عدد من القضايا الخلافية ومنها مسألة المساواة في الميراث. وقال القوماني ان انفتاح حركة النهضة على النقاش يعتبر مسألة ايجابية وخطوة هامة تحسب للحركة. وأضاف أنّ المجتمعات تمر بمسارات اصلاحية طويلة مشيرا الى صعوبة تقبل اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) ومشددا على فكرة انّ لكل مجتمع ثقافته، وعلى أنّ الوعي وليد الظرف التاريخي الذي يمر به أي مجتمع، ونفس الشيء بالنسبة للتشريع الذي لا يمكن ان يكون الا وليد عصره.

غير أن القوماني استطرد في نوع من التضارب المبدئي- وقد يكون ذلك موقفه الشخصي- ليكشف أنّ المساواة في الميراث بين الجنسين مطلب مشروع ولا فرق بينه وبين المطالبة بالقضاء على التمييز العنصري ! وقال إنّه من المسائل الخلافية نسبة الشريعة الى الله في حين أن الشريعة وضعية وهي من وضع فقهاء، أمّا المساواة فذكر القوماني أنّها نتيجة لمسار وسنصلها بالتدريج، وأردف قائلا إنّ النقاش يتعلق بما هو وضعي وأشار إلى أنّه يدافع عن حرية تأويل النص الديني مضيفا إنّ الخلاف الرئيسي مع واضعي التقرير ليس في مسألة تفصيلية بل لانّ واضعي التقرير يريدون كل شيء "الآن وهنا"...

ومن جهة أخرى، انتقد القوماني أحادية تركيبة لجنة الحريات قائلا إنّه كان من المفروض تطعيمها بشخصيات وفاقية، كما أشار للأهداف الانتخابية التي يمكن ان يراد تحقيقها من وراء هذا التقرير. وختم القوماني تدخله بنفس التذبذب الذي استهل به قائلا إنّ حركة النهضة تقبل النقاش حول عديد المواضيع انما يظلّ موضوع المساواة في صلب القضية الدينية، مشيرا في نهاية الأمر الى أنّ هناك مجلس نواب منتخب ستعرض عليه تشاريع جديدة، فاذا توافق ممثلو الشعب ووجدوا صيغة مقبولة من الجميع بخصوص هذا الأمر، فذلك سيكون الفيصل. 

حمة الهمامي والجدار الصيني والتنسيب التاريخي

امّا حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، فتمحورت مداخلته حول التنسيب التاريخي، حيث اعتبر اننا من اواخر المجتمعات والأمم التي تناقش موضوع المساواة بين المواطنين بينما هي قضايا حسمت منذ زمن في أوطان أخرى..

وردا على من يعتبرون انه ليس الزمن المناسب لمناقشة مسألة الحريات والمساواة، قال الهمامي ان مواضيع الحريات والمساواة وحرية التعبير والإعلام مطروحة منذ القرن التاسع عشر وليست مرتبطة بزمان معيّن وقال إنّه من واجب السياسي ان يعمل على كسب وعي الشعب ولا على كسب الشعبية والأصوات، بل ولتذهب الشعبية الى الجحيم وفق عبارته.

واضاف الهمامي أنّه لا يوجد جدار صيني يفصل بين الحريات الفردية والحريات الاقتصادية والاجتماعية، فكلها مترابطة وليس من المعقول اليوم أن نقول إنّه لا يمكن طرح الا المواضيع الاقتصادية، فالصراع الاجتماعي متداخل مع معركة الحريات ومن الخطأ ان نذهب في اتجاه عزل هذه المسائل وفق قوله...

وأضاف الناطق باسم الجبهة انه لابد أن نواجه كل مستويات التفكير مشيرا الى انّ مزية تقرير لجنة الحريات انه صدر عن السلطة وبالتالي هناك قابلية الى أن يمر الى طور التنفيذ. وذكر الهمامي أنّه بقطع النظر عن النوايا الانتخابية لصاحب المبادرة ـ ويقصد السبسي ـ فان مثل هذه القضايا لا تؤجل "حرية البشر وكرامته لا تؤجل."

ومن زاوية أخرى، شدّد الهمامي على أنّ الاصلاح الديني في اوروبا قام على التنسيب الديني، وقال "اذا اردنا ان نتقدم فعلينا ان نكون منخرطين في نقاش فكري ثقافي وأن نخوض في علاقة الدولة بالدين " مشيرا الى من بادروا بإعادة فتح ابواب النقاش حول مشاكل الحريات والمساواة في الميراث على غرار جمعية النساء الديمقراطيات التي روجت عريضة في هذا السياق، وضاربا مثال مفكرين مثل ناصر حامد ابو زيد ومحمد اركون الذين وضعوا النقاش في اطار فكري.

وقال الهمامي ان الاحكام الاسلامية تأثرت ببيئة قريش واحكام قريش ومنها حكم قطع يد السارق (أو من حكم بها الوليد ابن المغيرة) والرجم (ربيع ابن حداد) والميراث (أوّل من ورّث البنات في الجاهلية فأعطى البنت سهما والابن سهمين هو ذو المجاسد اليشكري )، واستخلص الهمامي أنّه يجب ادراج احكام الدين في التاريخ والا فهي ديكتاتورية، وقال إنّ هذه المواضيع بحاجة الى نقاش وينبغي ان نقرّ انّ الاديان هي من أعظم العوامل الثقافية في تاريخ البشر.

وختم الهمامي مداخلته مستشهدا بسؤال تم توجيهه الى المفكر المصري نصر حامد أبو زيد اذا ما كانت العلمانية تصلح في المجتمعات العربية، فأجاب أبو زيد: "العلمانية أو الموت".

شيراز بن مراد